الاثنين، سبتمبر ٠٤، ٢٠٠٦

من الماضي

رأته , رآها , التقت العينان و تواردت بينهما خواطر رحلتهما الماضية, أهكذا تمر السنوات , أهكذا يسرق العمر أحلى أيام حياتهما و هما لا يشعران!!! أحس كليهما برغبة جامحة في معرفة الحاضر, إلى معرفة ما جرته الأقدار في حياتهما, طلب منها أن تجلس معه على فنجان قهوة, ترددت فالمجتمع لن يرحمها إن هي وافقت و لكن فضولها منعها من التفكير ووافقت بسرعة قبل أن تفكر مليا.

توجها إلى المقهى في جانب المجمع التجاري، ما زال مهذبا و رقيقا و ما زالت بسمتها البريئة تعلو وجهها. بدون أن يسلها طلب لها عصير برتقال طازج، ضحكت و أضافت أنها أصبحت تشربه بلا سكر حتى تخفي أثار العمر من جسمها و سألته واثقة من الإجابة إن كان ما زال يشر قهوته التركية فهز رأسه ضاحكا.

سادت موجة من الضحك و الذكريات بينهما, أحس كليهما أنه عاد 10 سنوات إلى الوراء و أدركا كم من السنوات تمضي و هم منغمسين في هموم الدنيا.

كسر هو حاجز التردد بينهما و سألها : سمعت أنك تزوجتِ؟ , ردت: و أعتقد أنك سمعت أني طلقت أيضا , ما زالت بسمتها تعلو وجهها. ابتسم و قال: سمعت و لكني لم أكن متأكدا, قالت بكل اليقين: الرياح لا تجري باتجاه السفن أحيانا, سمت أنك تزوجت و قد توفى الله زوجتك رحمة الله عليها, رد و قد بانت في عينيه دمعة خفية: نعم, كانت ملاكا بما تحمله الكلمة من معنى و لكن كما قلت هي أقدار و علينا الإيمان بها, تذكرين قبل 10 سنوات كنا نحلم أنا و أنت بذلك العش و البيت السعيد و ها أنا و أنت كل منا مضى في طريقه و أصطدم بما تخبئه الأقدار.

أطرقت رأسها و أخذت تفكر, حتما كانت تفكر ببيت أخر و حياة أخرى و لكن السعادة المؤبدة شئ مستحيل. ترددت قليلا و لكنها سألته: هل تفكر بالزواج مرة أخرى؟ , ابتسم و قال: بصراحة لا أعرف, تنتابني لحظات من الوحدة و لكني لا أعرف إن كنت سأجد من سأقارن بزوجتي الأولى بالإضافة أن أولادي ما زالوا صغارا و أخاف من زوجة أب تعذبهم .. و أنت؟
أجابت: بعد تجربتي الأولى مع زوجي, أفكر مرارا من خوض التجربة مرة أخرى. و هز رأسه بالموافقة على ما قالت.

وهكذا أستمر الحوار و تفرق إلى متفرقات مختلفة في حياة كل منهما, أسترق النظر إلى ساعته و تذكر أنه وعد أبنته بأنه سيأخذها إلى بيت خالتها, أعتذر بلباقته المعهودة و هم بمغادرة المكان و هي أيضا و قبل أن تبتعد العينان أعاد الالتفات إليها و بارتباك شديد سألها إن كان من الممكن أن تعطيه رقم هاتفها , ابتسمت و أعطته الرقم.

عاد إلى منزله تلك الليلة , أخذ يفكر في لقاء هذا الصباح, تذكر صندوقا كان قد أخفاه في ركن بعيد في خزانته, كان الصندوق يحوي مجموعة من الشرائط الغنائية القديمة, بحث عن شريط بذاته , وجده و أدار الشريط, دارت أغنية محمد عبده "على البال" في مخيلته قبل أن تدو على مسامعه, أخذت أفكاره إلى مكان بعيد جدا و أيقظ ذكرياته و كيف ساقته الأقدار. و مع هذه الذكريات و تلك أيقظت الأغنية حبا دفينا بداخله, الحب الذي حاول أن يتناساه بمرور الأيام و لكنه ظل مغموسا بأعمق خلجات نفسه, أحس ليلتها بشعور الوحدة الذي طالما أحس به بعد موت زوجته يتعاظم, أدرك أن لعبة الأقدار عادت من جديد عندما ساقته ليلقاها اليوم.
في اليوم التالي و جد نفسه يضغط على الأرقام التي أعطته إياها و سألها بكل ثبات و صراحة: هل تقبليني زوجا؟ارتبك صوتها و تمالكت قواها و قالت: و هل يرفض أحد أن يحقق حلمه الأبدي؟؟؟

الجمعة، يونيو ٠٢، ٢٠٠٦

حب من الماضي

مرت الأيام بطيئة جداً وهو يحاول أن ينساها، مع كل دقيقة تمر يظل يتمنى أن تكون في صالحه، أن تكون معيناً له على النسيان ولكنها أسفاًً تنحاز لها و تتركه بلا شيء غير ذكراها.
حاول الانشغال، وفعلاً نجحت خطته الجهنمية (مؤقتاً) فقد كان انشغاله سبباً كافياً ليتناساها .. ولكم ما إن تغرب الشمس ويحل الليل بسكينته .. وتأتي الساعة التي تحتم عليه أن يخلد لنوم يريحه من عناء اليوم.. إلا وتقوم ذكراها بالسيطرة على كل مشاعره .. وتسقط معها دمعة شوق!

تمر الأيام وهو في محاولة مستمرة لينساها .. وتدريجياً بدأت محاولاته ترى بصيص النور.. بدأ يستعيد نشاطه وحيويته وبدأ شبحها يتواري عن مقدمة أفكاره ليحتل مركز أخر غير المركز الأول.

مع استعادته لحيويته .. بدأ يرى الدنيا بمنظار جديد .. بدأت تكتسي ألواناً جديدة بعد أن سادها السواد .. أصبح قلبه حياً من جديد بعد أن سكنته هي سنوات عديدة وحان موعد ترتيب حياته. حان الوقت أن يفتح قلبه وعينيه وجميع جوارحه!!

قرر قراره هذا وكأن الأقدار كانت من ساقته إلى هذا القرار .. فقد استوقفته امرأة شعر بقلبه ينبض معها من جديد .. شعر وكأنها احتلت مكانة السابقة وبدأ يشعر بحب نبع من نبضات قلبه.

بدأت حياته تتغير تدريجياً. بدأت تنعش فيه الشاب الذي شاب مع معترك الحياة.. بدأت مشاعره تجاه الجديدة تأخذ شكلاً أكثر جدية .. قرر أن ينسى ما مضى ,ان يمضي قدما للزواج منها .. أسعدته هذه الفكرة .. فهاهو قد تخلص من عقدته الأبدية .. من حبه الأول!!!

وهو في غمرة استعداده لإتمام حفل زفافه .. قرر أن يغير كل شيء في منزله .. أن ينسى حقاً كل شيء يذكره بالماضي .. بدأ يتحرك بكل حيوية ونشاط .. ناصباًً أمامه هدفاً يريد تحقيقه .. هدفه أن يصبح إنساناً جديداً متحرراً من جميع قيوده القديمة!!

بدأ بإبعاد أغراضه القديمة .. في صندوق خشبي .. يحاول أن يبعدها عن ناظريه حتى يهنأ بقراره الأخير .. و فجأة سقط بين يديه دفتر نسائي قديم .. دفتر يحمل رائحة يحبها بل رائحة يعشقها !!!!

بدأ بقراءة الدفتر .. كانت تكتب كل مشاعرها هناك .. وكانت تتصدرها مشاعرها تجاهه .. حبها .. وفائها .. تضحياتها!!!
كان الدفتر عبارة عن رحلة عودة لها إلى حياته من جديد .. حبيبته الأولى وقد تكون الوحيدة عادت من جديد!
قرأ الدفتر .. صفحة تلو الأخرى .. عاش مع ضحكاتها .. دمعتها .. وهيامها!!

شعر بقلبه ينبض من جديد .. بعد أن ظن أن الأقدار حكمت عليه بالسعادة .. بعد أن ظن أن الأوان قد حان لينسى الماضي .. ينسى من كانت خير شريك .. ينسى من عاش معها أصدق و أحلى أيام حياته .. مع زوجته التي فارقت الحياة !!

لماذا جاء هذا الدفتر ليعيد الماضي؟ ليعيد فترة من حياته كانت أجمل من أي فترة أخرى .. لماذا يعيدها ذكريات فقط .. فتلك الفترة لم ولن تعود .. ذهبت مع أخر نفس لزوجته الحبيبة!!!

عاد إلى نقطة الصفر .. عاد ذلك الشاب الذي يحاول أن ينسى .. والفرق أن هناك الآن زوجة أخرى .. لم يكن ذنبها سوى أنها كانت الثانية!!!


الاثنين، مايو ١٥، ٢٠٠٦

نورة

)اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولاأقدروتعلم ولاأعلم وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن خالد خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فأقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن خالد شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري _ أو قال عاجله وأجله _ فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به(

أخذت نورة تردد الدعاء ) اللهم أستجيرك بعلمك(

رحاب) لاااااااااااااا ما أستجيرك يا شاطرة .. أستخيرك(
نورة: )أوهوووو ما أقدر أحفظه ..ما أقدر..شكله هالخطيب بيتعبني من إلحين! خلاص ما عزمت .. برفضه(
رحاب: )خلي عنش الكسل وحفظي .. أو كتبيه على ورقة و قريي(
أخذت تردده و رحاب تصر على أن تحفظه قبل بداية المحاضرة .. ولكن الوقت داهمهما فساعة الحرم الجامعي أعلنت لتوها دخول الساعة العاشرة .هرعتا تحو القاعة تحملان كتباً جعلتهما تبدوان كسجينتين ترسفان في أثقلاهما, حدثت رحاب نفسها : " أن يضبطهما الدكتور حلمي متأخرتان! يا للرعب"

دخلت نورة القاعة، عازمة أن تترك موضوع الإستخارة جانباً وتركز على محاضرة الدكتور حلمي الصعبة الفهم ، ولكن صورته التي أعطتها خالتها ألفت لا تبارح مخيلتها، يبدو وسيما بعض الشيء، اختلجت وجنتاها حمرة وهي تذكر الصورة ، ولكنها تداركت أفكارها، (ولكني لا أعرفه!) هذا ما كان يربك الموضوع برمته، كيف لها أن تصبح زوجة إنسان لم يمضي يومان على رؤية صورته؟ كيف لها أن تسلم جميع أحلامها الوردية لمجهول؟

تقول رحاب أن معرفة الخطيب ستأتي في فترة الملكة، ولكنها زوجته حينها، لا يمكن أن تغير رأيها!

اقترحت خالتها أن تتحدث معه على هاتفه النقال قبل إعطاء القبول أو الرفض، ولكنها تخاف، تخاف أن تهتز ثقة أبيها بها، الرجل الذي لا يمر يوم إلا ويفخر بابنته المؤدبة الخلوقة وتشتعل نار الغيرة في قلب أخيها!

(لا لا، سأرفض لأسهل الموضوع ، أسهل وبلا عوار راس) ولكن دقات الساعة تذكرها أن الوقت يمضي، هاهي تشرف على أعتاب الثالثة والعشرون وكل من تعرفهن إما متزوجة أو مخطوبة أو على مشارف خطبة كبيرة سمعن عنها كل بنات الكلية، تريد أن تكسب اهتمامهن هي أيضاً، تريد أن تستوقفنها زميلاتها وتسألنها عن عريس الغفلة، اختلجت وجنتاها مرة أخرى و استدركت أفكارها حتى تنهل النزر الباقي من محاضرة أستاذ حلمي!

حييت والدتها بعجلة، وسارعت إلى غرفتها، لم تعرف ما الذي يدفعها دفعاً ، أول ما فعلته هو إخراج الصورة، شعرت كأنها مراهقة مولعة بصورة فنان، لكنها لا تعرف لماذا ترتسم على شفتها ابتسامة خجل كلما نظرت إلى الصورة ، كأن قلبها يدفعها لقول نعم لخاطرالصورة.

سمعت طرقاً خفيفاً على الباب ، أسرعت بإخفاء الصورة تحت وسادتها ( أدخل) نادت على الطارق فإذا بأبيها يدخل، شعرت بارتباك فهي لم تعتد أن يقتحم أبوها عالمها الخاص ويدخل غرفتها. سألها عن حالها وعن دراستها، صمت برهة ليستجمع قواه ، وكأن ما سيقوله صعب للغاية، تسارعت دقات قلبها وهي ترى والدها بهذه الحالة، مر أكثر من سيناريو في مخيلتها: من مات؟ من مرض؟ وكل هذه الأفكار السوداوية مرت عليها.

تنحنح والدها ليعيدها إلى حيث هي وقال: (بنتي ، تعرفين أن الزواج قسمة ونصيب، وأن أمنية كل أب أن يرى ابنته زوجة صالحة لرجل يحبه ويحترمه، تقدم لك شاب اسمه خالد ، يأتي من عائلة محترمة، يخاف الله، قابلته عدة مرات والتمست فيه المسئولية، لا أريد أن أضغط عليك ولا أريد أن أتدخل في قرراتك ولكن فكري وقرري بما ترينه مناسباً لك)

انحدرت دمعة ساخنة على وجه نورة، وكأنها لم تتوقع ما سيقوله، وخرج الأب وهو يعتصر ألماً حل به ، لا يعلم ما سبب ضيقة الصدر هذه، ولماذا يشعر وكأن ابنته ستسرق منه، ولكنه شر لا بد منه ، فهذه السنة الحياة، أن تنتقل من إمرة أب إلى إمرة زوج، ولكن التفكير بأن ابنته المدللة ستخرج من كنفه ورعايته يشعره بضيق شديد.

أخذت تتقلب بين نعم ولا، ولكنها تعلم أنها تأخذ قراراً لا تدرك مداخله ومخارجه، فمن خالد هذا؟ مهما قيل عنه ووصف عنه فهي تعلم في قرارة نفسها أنه مجرد كلمات لتحفزها على إتخاذ القرار الذي يردونه، ومجيء أبوها إلى هنا أكبر دليل على ذلك، فكيف له أن يحكم على شاب رأه عدة مرات وفي مناسبات عامة؟ نعلم أن الشباب عادة يخفون مساوئهم ولا يعلنونها تحسباً لوقت مثل هذا. سحبت الصورة من تحت الوسادة، نظرت إلى وجه خالد وشعرت كأنها ترى أنياباً لا مكان لها، ضحكت من أفكارها السخيفة، وأتخذت قراراً إرتجالياً ، (سأطلب رقمه) فكرت( نعم وسأتحدث معه وأقرر إن كان يناسبني أم لا، القرار يجب أن يكون قراري لا قرار أبي وخالتي)!

ضغطت على أزرار الهاتف النقال، أعطتها خالتها الرقم بكل حبور، وكأنها متأكدة أنها ستوافق على خالد، لا تدري لما يزيدها هذا الحبور عناداً ، ولما يجعلها تميل إلى قول لا لا رجعة فيها ! ، تتصل، يداها ترتجفان وهي تسمع خالد يقول : (ألو .. السلام عليكم) ، شعرت وكأن هذا الصوت هو أفضل صوت سمعته في حياتها، قوي أجهش يوحي بالقوة ، قالت بصوت يملأه الوجل ( ألو ، معي خالد ) ، خالد ( أيوا من معي؟ )، إحتارت فيما ترد ، أتقول خطيبته؟ لا ليست خطيبته، ترددت ثم قالت ( نورة) وسكتت ، شعرت بابتسامته من خلال سماعة الهاتف، (أشرقت وأنورت .. وأنا أشوف الدنيا منورة اليوم ) ، استهجنت طريقته في الحديث، كأنه لا يأبه أنها فتاة محترمة ويجب عليه أن لا يتمادى في الإطراء بهذه الطريقة من أول محادثة ، ماذا تقول الأن، هل تعنفه بشده على هذا الأسلوب، أم هل تتجاهل حنقها على أسلوبه، قررت التجاهل لا بطولة منها ولكن خجلاً من المواجهة. ( الأخ خالد ، أنت أكيد تعرف ليش إتصلت ، حبيت أعرف أكثر عنك حتى أقرر قراري ) ( أوكي نور الدنيا، ولا يهمك، أنا خريج هندسة في أمريكا، أشتغل في ال .... ) إسترسل يتحدث عن نفسه لنصف ساعة، لم تقل شيئا سوى نعم عندما يسألها إن كانت معه في الخط، حمدت الله كثيراً عندما نادتها الخادمة لتناول العشاء واعتذرت بإنهاء المحادثة .

ليس هذا فارس أحلامها، ليس هذا من تريده أن يقلها بحصانه الأبيض ويطير بها إلى عالم الأحلام الوردية، تريد من يسمعها، من يقدمها على حياته،هكذا تحدثها نفسها وهكذا يقنعها قلبها، ولكن عقلها والناس من حولها يقولون لها أنه الشاب الممتاز وألف من تتمناه ، أمها قالتها صراحة أنها إن رفضت هذا الشاب لن يخطبها أخر بنفس مواصفاته الخُلقية والخَلقية، تتفق معهم أنه يملك كل ما تتمناه الفتيات، ولكن ليست هي، ولكن ماذا تقول لأهلها ، ليس اميري؟ تتخيل أبوها وهو ينظر إليها نظرة غضب لا تتحملها، تتخيل دموع عين أمها التي ستسكبها ظناً منها أن إبنتها ستضحي عانساً، سترى حنق خالتها الذي تخافه وتسمعها تقول: أخر مرة أجيب لبنتكم عريس، فشلتني قدام الحريم.

فكرت بالموافقة من أجلهم جميعاً ، تتحمل هذه الصفة الوحيدة التي لا ضرر فيها من أجل فرحة الجميع، وكلما حاول أن تقنع نفسها أكثر كلما صرخ قلبها بألف لا، لا لا ليس هو. شعرت بقواها تخور، لا تحب التردد، كانت دوماً سريعة في إتخاذ القرارات، لماذا تتردد إذاً؟ لتأخذ قراراً ارتجاليا وتنهي الموضوع!

ألقت نظرة إلى الصورة، وتدير سماعة الهاتف، (ألو خالتي، أظنني جاهزة لإعطاء ردي ، موافقة!! ) ، أغلقت سماعة الهاتف وهي تدعو ربها أن تكون قد اتخذت القرار الصائب.

الأربعاء، أبريل ٠٥، ٢٠٠٦

المهد الصغير

جلست تناغي طفلها الراقد في مهده الصغير, غنت له أغنية كانت تسمعها من أمها عندما كانت تهدهد أختها الصغرى , سرحت في وجهه البريء و هو مستلق, كم تنطق روحه البريئة بأحلام كثيرة, أحلام المستقبل الذي لا يعرف و لا تعرف عنه شيئا. سرحت , بعد عدة شهور سيكون طفلا مزعجا, سيستنهك قواها و هي تركض خلفه هنا و هناك, و هي تركض تكون تستعيد لحظات طفولتها التي أبعدت في الزمان الغابر, سيوقظ ذكريات قد نامت بخلجات نفسها من عدة سنين. بعدها سيبدأ بالكلام, سينطق بأحلى و أرق كلمة أمي سمعتها من أي طفل في الدنيا, ستخرج متلعثمة من فمه الصغير و لكنها ستمتلك جميع جوارحها ـ

. سيأتي إليها شاكيا باكيا و ستضمه إلى صدرها الحنون لترويه من حنانها و لتحميه من أي مكروه يصيبه. تخاله جوهرة تمشي على الأرض, قطعة من قلبها تتحرك أمامها. هكذا كانت تفكر. سيأتي اليوم الذي ستذهب به إلى المدرسة, سيفارقها باكيا في البداية و لكنها عندما تودعه بقبلة على خده سيركض بعدها فرحا إلى دراسته. و عندما يعود من مدرسته سيريها فرحا ما تعلم و يعلمها كأنه قد ختم العلم كله. ـ

سيتفوق في دراسته, و سيأتي أخر العام بشهادة ترفع رأسها عاليا و هي تحصد مجهود تحملها و جلوسها معه عندما يستعد للامتحانات. سيكبر, يصبح مراهقا, ستخاف عليه من كل من يحوم حوله ليفسد ما غرسته فيه من مبادئ و أخلاق, لكنها في نفس الوقت ستعامله بذكاء, ستسمح له أن يفكر قبل أن يقدم على أي عمل و هكذا ستطمئن عليه حتى و إن ابتعد عنها, و ستنجح في ذلك , و ستفخر به أنه ظل ذلك الولد الناضج طيلة فترة مراهقته. سيجتاز المرحلة بأمان , و لكنه بعدها سيتحول إلى ذلك الشاب الفيلسوف, سيأتي إلى المنزل يحاول أن يقنع عقلها القديم بأفكار جديدة و غربية , تحاول أن تجاريه النقاش و لكنهه سيطغى على عقلها البسيط و سيقنعها بأفكاره الجديدة. ـ

سيأتي اليوم الذي ستفخر به أمام جميع أترابها. اليوم الذي يحدد مصير حياته الباقية, اليوم الذي يثبت فيه انه يهتم بمستقبله قبل كل شيء , يوم حصوله على نتائج الثانوية العامة و هو يركض فرحا و قد أصبح أحد الأوائل, عندها ستذرف دمعة فرح و هي تراه يكرم أمام الجميع. ـ

بعدها سيغدو محتارا فيما يعمل, هل يدرس هنا في وطنه بجانبها أم يختار أن يبتعث للخارج حتى ينهل المزيد من علوم الحياة؟ فكر مليا و قرر أن يدرس الهندسة في الخارج حتى يكتسب خبرة اكثر في الحياة, يؤلمها اختياره , فهو سيفترق عنها لأول مرة , و لأول مرة ستشعر أن مصلحته هي في الابتعاد عنها , ستشجعه على اختياره مع أن قلبها يتقطع ألما. ـ

يأتي اليوم الذي يحتم عليها أن تودعه, تبكي بحرقة , لكنه يضمها إلى صدره مؤكدا أنه سيكون على ما يرام و انه أصبح رجلا و سيعتمد على نفسه. قبل سفره تقوم بتوصيته على نفسه, تقوم بترتيب حقيبته لتتأكد انه قد اعد كل ما يحتاجه, يبتسم و هو يراها مضطربة اكثر منه و كأنها من سيسافر. يأتي اليوم الذي ستفارقه فيه لأول مرة , تغرورق عينيها بالدموع,فكيف ترى قطعة من قلبها تسافر بعيدا عنها , يضمها إلى صدره مؤكدا أن السنوات و الأيام ستمر بسرعة و لن تشعر بفراقه. ـ

سافر, و يتصل بها لأول مرة من الخارج, تبكي و هي تؤكد له أنها على ما يرام , و هي قادرة على فراقه و لكن عليه أن يجتهد حتى يعود ناجحا. تمر السنوات , يكمل سنوات الغربة و يعود و قد حاز على نتائج مرضية, فخرت به عاليا للمرة الثانية و خاصة بعد أن حصل على وظيفة ممتازة. ـ

حان الوقت أن يرتبط بمن اختارها قلبه و عقله, يخبر أمه , تتحرك بداخلها عوامل الغيرة و الفضول , فمن هذه المرأة التي ستشاركها قلب ولدها, من هذه التي أتت فجأة لتحتل مساحة من القلب الذي كانت تسكنه وحدها , و لكنها تذهب لتخطبها و بالفعل تقع هي أيضا في حب الفتاة الطيبة التي اختارها ابنها. ـ
يقرر أن ينتقل إلى منزله الجديد, يظل يحايلها أن تنتقل معه, لكنها تأبى أن تترك منزلها العتيق و تبارك لأبنها بيته الجديد , و هكذا مرت السنوات و عادت و حيدة في منزلها. مضت تسرح و تبحر في أفكارها إلى أن أيقظتها هزة طفلها في مهده الصغير, و ابتسمت عندما فتح صغيرها عينيه و هي ترى مستقبلا واسعا أمامه. ـ

السبت، مارس ٠٤، ٢٠٠٦

حرب نفسية

تسلل جمال من غرفة نومه بخفة ، لم يشأ أن تشعر به زوجته ، خرج إلى حديقة المنزل .. حيث الهواء الطلق .. أخرجها من جيبه .. وأشعلها .. نعم هي السيجارة!! ـ

وهو يستنشق نفساً من هذا السم القاتل، أخذ يركز في التناقضات التي يعيشها!، تلك التي تجعله يشعر أنه مجموعة من الأشخاص في جسد واحد.
ـ

ما حدث اليوم في عمله أقلق هذا الشعور زاده، زارته امرأة مع زوجها للعلاج، زوجها مدخن .. صورة الأشعة أظهرت أن رئتاه أصبحت كالفحم الأسود، أصرت زوجته أن تقابل جمال (وهو طبيب الأمراض الباطنية) حتى تسأل عن طرق الإقلاع عن التدخين لتساعد بها زوجها، شعرت بارتباك شديد وأنا أشرح لها .. كيف له أن يقنعها وهو من المدخنين؟؟؟؟

أخذ يتأمل في هذه السيجارة التي تعتبر مفرغ لأهات يحملها (أو هكذا يتخيل)، بدأ بالتدخين عندما كان في السنة الأولى بكلية الطب .. كانت السيجارة عبارة عن عودة للوطن، فمعها كان يسرح بعيداً .. كأنها كانت سبباً لإلهائه عن المذاكرة والدروس لذا تعلق بها! ـ
يعرف أنه يستطيع الإقلاع عن التدخين، لكنه لم يحاول ، ربما لأنها ما زالت تذكره بتلك الأيام. ـ

سمع صوت بكاء بالداخل، قطع عليه سكون الليل، وقطع خواطره، إنها ابنته مرام، ملاكه الصغير ، كم يعشق ملاكه الصغير! ، ذهبت إلى غرفة نومها .. نظرت إلي وتوقفت عن البكاء، ضمها إليه .. ـ
سألها: ما أبكاك يا أميرتي؟
قالت: بابا .. حلمت أنك تحترق.. حاولت أن أطفئ النار ولكني لم أستطع!! ـ
جمال (الارتباك باد عليه): لا تقلقي يا حبيبتي ، أنا بخير
قالت: ولكن بابا .. أنا أشم رائحة حريق! ـ

فوجئ بكلامها، يا للهول، ملاكه الصغير شم رائحة التدخين!، هي ما زالت تجهل معناها ولكنه قطع وعداً على نفسه أن لا تعرف ابنته أنه يدخن. ـ
هدأ من روعها: يا حبيبتي .. أنت ما زلت تحلمين .. ها أنا أمامك بخير والحمد لله .. هيا عودي للنوم! ـ

وعاد هو إلى غرفته للنوم .. نظر إلى زوجته فوجد نظرة غضب يغطيها عتاب .. يعرف السبب .. هي السيجارة الغبية .. نظر إليها نظرة أسف ونام! ـ

في صباح اليوم .. وهو ذاهب إلى العمل .. ما زال موقف ليلة الأمس يدور في خاطره ، لن ينجح أبداً في إخفاء تدخينه عن ابنته.. سيأتي اليوم الذي يرى نفس نظرة العتاب التي رآها ليلة الأمس من ابنته .. لا يدري إن كان سيتحمل ذلك! ـ

دخل مكتبه في المستشفى .. لم تبدأ مواعيد المرضى بعد .. هو يرتب أوراقه ويراجع الملفات على المكتب .. وجد الكتيب الخاص بالإقلاع عن التدخين أمامه .. استجمع قواه .. وأمسك بالكتاب .. شعر وكأنه يقرأه لأول مرة .. في الصفحة الأخير كان هناك سرد بسيط لطرق الإقلاع .. بلا وعي منه (أو وعي يتجاهله) اختار إحدى الطرق وبدأ بترتيب برنامج الإقلاع .. شعر وكأنه يدخل مغامرة غير متأكد من نتيجتها! ـ

بعد أسبوع ... ـ

لم يدخن أي سيجارة من أسبوع ، شعر بإحساس وكأنه يجتاز امتحان يصعب اجتيازه، لم يشعر أن الإحساس بالذنب كان ثقيلاً جداً !! ـ
بعد أن تأكد أنه توقف أحب أن يهدي هذا الخبر إلى زوجته والتي ستبتهج فرحاً به!! ـ
جلس على مكتبه، وصل إليه التعميم الصحي الدوري والذي يوصي أن على كل طبيب في المستشفى الخضوع إلى فحص شامل، قرر أن يخضع للفحص غداً. ـ
عاد متأخراً إلى المنزل تلك الليلة فلم تسنح له الفرصة المناسبة لإبلاغ زوجته اخبر ، فقرر أن يقدمه لها هدية على عشاء رومانسي نهاية الأسبوع. ـ

أستيقظ على صوت المنبه .. موعد الفحص بعد ساعة ... قام من سريره وتجهز وقبل أن يخرج تأكد أن يأكل فطوره بشهية ، لم يشعر بسعادة غامرة مثل هذه منذ أمد بعيد، أحقاً لهذه الدرجة كانت سعادة السيجارة مقنعة؟!! ـ

قابل الطبيب الذي سيجري الفحص ..
جمال: أهلاً أحمد .. إذن أنا زبونك اليوم
أحمد: بالطبع دكتور جمال .. أه كم تكون التناقضات عندما يكون الطبيب زبوناً !! هيا فلنبدأ .. بالطبع ستجري فحص دم وأشعة و جميع الفحوصات الأخرى ... هذه هي ورقتك .. هيا إلى المختبر

قام بإجراء جميع الفحوصات .. ووعده الدكتور أحمد أن يبلغه بالنتيجة غداً

عاد إلى منزله، وجد مرام تلعب بدميتها الصغير .. أه كم يعشق ملاكه .. وكم يراها دنياه التي لا تسعه!! ـ

وهو يتعشى مع زوجته ، وابنته بجانبه ، رن جرس الهاتف .. ـ
جمال: السلام عليكم
أحمد: وعليكم السلام جمال .. كيف حالك؟جمال: الحمدلله .. وأنت؟
أحمد: الحمدلله .. جمال .. أنا بحاجة لرؤيتك غداً .. رجاءً في أول الصباح .. ـ
جمال: إن شاء الله .. سأمر عليك في الصباح الباكر

وضع سماعة الهاتف .. صوت أحمد لا يعجبه .. كأن هناك شيء يخفيه .. عاد إلى مائدة العشاء والقلق قد تمكن منه . لكنه حاول أن يخفيه عن زوجته حتى لا تشعر بشيء. ـ


في صباح اليوم التالي، وقبل أن يذهب إلى مكتبه في المستشفى .. ذهب إلى مكتب الدكتور أحمد .. وجده هناك .. ـ

جمال: السلام عليك يا أحمد .. كيف حالك ؟
أحمد: الحمد لله .. تفضل يا جمال .. هناك شيء يجب أن أعلمك به!! ـ
جمال : خير ان شاء الله
أحمد: الخير كله بيد الله، جمال .. لقد ظهر ورم سرطاني في الرئة في نتيجة فحوصاتك .. ما زال صغيراً على ما يبدو ولكنك يجب أن تخضع للعلاج!! ـ

أحس جمال أن الدنيا تدور به! أيعقل أن يكمن هو المداوي وهو المتداوي؟؟؟
سرطان!! في الرئة؟؟؟ بلا سخرية القدر!! ـ
عندما قرر أن يترك التدخين ، أكتشف ما لم يكن في الحسبان .. ـ

حار فيما يهدي زوجته أولاً ... مرض السرطان أم إقلاعه عن التدخين!! ـ

خواطر نادم

في لحظات عصيبة من الانتظار، يظل الإحساس بالوحدة شاغلي الشاغل و يظل ألم الفراق إحساس يخنق النفس و يضيق بها. ـلماذا تركتها؟ لا أدري، لماذا قررت أنا الفراق لا أدري؟! , مع أنني من اخترت هذا القرار و أنا من رحلت عنها بعيدا, يظل إحساسي بالحاجة إليها يعصرني, لما هي بالذات؟؟؟ ملئ هي الدنيا بمن هن أجمل و افضل, و لماذا يظل الحنين لنظرة عيناها البريئة يجرحني. أحاول أن أبعد طيفها الذي يلازمني و لكنه يأبى أن يفارقني. ـ
أأحبها؟؟ , لا, بالطبع لا, لست أنا من خلق للحب, الحب مجرد إحساس يخالج الضعفاء و أنا أقوى من أن أشعر به, كانت مجرد طيش شباب, مجرد تمضية وقت فراغ! , هي من يجب أن يتعذب و يشعر بالألم, فأنا من تركها و ليس هي من تركتني!!! , اخر نظرة رأيتها منها ما زالت تلازمني و كأنها تريد أن تشعرني بالذنب , و لن أشعر بالذنب فأنا لم أخطئ, هي من قبلت أن تقع أسيرة نظراتي و ووافقت أن تبادلني هيا النظرات و هي من خدعت أيضا بعيناي الخبيثتين. ـ
سأنساها, قد يأخذ زمنا طويلا, و لكن سأنساها, ليست هي أول من عرفت و لن تكون أخرهم !, سيمضي الوقت و سأجد غيرها, حتما!!ـ
مرت سنتان ...

في الفترة الماضية لم أشعر إلا و الحنين إليها يقطع كبدي, أحشائي ظلت تتألم من الشوق و الحب !!! , نعم أنا من بين كل الناس أحب, و أحبها هي, لا أدري ما الذي جعلني أحبها؟؟؟ أرقتها و طيبها؟؟, أم إخلاصها و حبها؟؟ كنت مخادعا و لم أحافظ على الجوهرة التي كانت بيدي!! رزقت بكنز و لكني استكبرت و رفضته, أصبحت جاحدا و ناكرا, لقد أشعلت فيني أحاسيسً لم أشعر بها من قبل, أحيّت فيًّ ذلك الإنسان الذي كان لاهياً مع متع الدنيا, قلبت ما بداخلي فأصبحت بعدها أشعر بما يشعر به الناس و أستشعر أحاسيسهم و أهتم بها!!. و لكم هل فقدتها؟؟؟ , حتما لا, سأعود و أبحث عنها و أريها الإنسان الذي تغير!!ـ
بعد شهران
...لم يتحمل قلبي الضعيف رؤيتها, كانت كالحلم مر من أمامي, لم تتلاقى عينانا هذه المرة و لكني أردت أن أحادثها لأصدقها قولا و أعترف لها بما حدث, لم تراني , تبعتها, يهتز قلبي فرحا كلما أدرك أنني وجدتها أخيراً, حقا كـتبت علي السعادة الكبرى مع من أحببت, مع من سأهديها أول نبض قلبي. ـ
مع دقات قلبي الفرحة اهتزت أعصابي عندما رأيتها تجلس بجانبه, من هو؟؟؟, من يكون؟؟؟, أخوها؟؟ , نعم أخوها , حتما أخوها فلن تطير فرحتي بهذه السرعة بعد أن عانيت الأمرين لأجدها, بعدت أن بنيت قصورا من السعادة معها هي وحدها على سحاب حبي لها, لكن من هو؟؟؟ سؤال يلح بشدة, نظراته الخارقة إليها و بسماته المحبة لا تدل على الأخوة, من هو إذاً؟؟ ـ
تهدمت قصوري الهوائية عندما رأيت الخاتم بيديها, متزوجة هي!!! , ملكة أحلامي أصبحت متزوجة!! , آآآآآآآه كم أرى نظراتها بعيدة عن أخر نظرة رأيتها فيها, سعيدة هي في الأخيرة!ـ
نستني هي إذاً, من حقها فأنا من تركها و ضيعها من يديه, أن من أبعدها عن عينيه, و هل يستحق رجل مثلي أن يحب؟؟ , و لكن بعد ماذا؟؟, بعد أن ذاق الحب و ضعفت مشاعره؟ بعد أن أصبح أنسانا؟, أيتراجع؟؟ لا , لا يمكن أن يعود كما كان!! , أعتقد أن علي أن أتحمل قلبي الضعيف و أنتقل معه إلى مرحلة أخرى, لعل و عسى يجد من يحب و يحبه, عسى!!!ـ

الأربعاء، فبراير ٢٢، ٢٠٠٦

رهف


وقفتُ أمامها واجمة .. الكلمات التي لا أفقه معناها تتقاذف علي وكأنها قنابل حارقة .. نظرت إليها .. أحاول أن أبرر سبباً لهذا الغضب الجامح .. ولكن عبثاً أحاول .. تستمر هي بالصراخ .. وأستمر أنا بالضياع في صراع كلماتها
عدت إلى الغرفة التي تشاركني فيها أختي سمر .. إبتتها ونور عينيها .. أحب سمر كثيرأ .. فهي أختي ومدللتي الصغيرة .. ولكني لا أنكر ان الغيرة الشديدة تعتريني كثيراً .. فلماذا تتمتع هي بأم تحبها وتغدق عليها ينابيع الحنان .. وأحرم أنا من كلمة مع أمي .. وأعاني من غضب زوجة أبي المستمر؟ .. ولكني تعلمت أن هناك أسئلة يجب ألا تسأل .. فقد ثارت ثورة أبي ذات يوم عندما سألته عن أمي .. شعرت عندها أنني إقترفت خطأً لا يغتفر!ـ
أسمع خطوات زوجة أبي تقترب .. أقلب نظري في الغرفة لأتأكد أن كل شيء على ما يرام .. فلا أحتمل غضبها مرة أخرى اليوم .. حتماً ستقوم بضربي هذه المرة ..ـ
دخلت الغرفة .. نظرت إليها بعيون يملأها الوجل .. كأني أحاول أن أبرر شيئاً لا أعرف ما هو .. جالت بعينيها في الغرفة .. تلتمس سبباً لصب غضبها علي.. رأت كراستي التي أرسم فيها أحلامي الصغيرة.. فرغت الأن من رسم حديقة واسعة ممتلئة بالزهور والورود .. سألتني بصوت يهدر بالشدة... ماذا تفعل هذه الكراسة هنا .. هززت كتفي لا أعرف ماذا أقول .. فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير .. إنهالت علي بسيل من الكلمات موجهة إلى أمي .. لا أفهمها .. ولكني أعرف أنها ليست بالجميلة .. ثم بدأت تهجم على جسدي الصغير بصفعات وركلات .. حاولت البكاء .. ولكن الألم خدرني .. وقفت صامتة .. أنتظر أن تنتهي مما تفعله .. ,انظر إليها بعيون ملئ بالدموع المحبوسة .. أزاحت بوجهها وكأنها تحاول أن تبعد أي شعور بالألم .. ونمت تلك الليلة ..وجروح النفس تفوق جروح الجسد
إستيقظت باكراً إستعداداً للمدرسة .. لم أرد أن أراها .. نظرت إلى وجهي في المرآة .. رأيت كدمات حمراء تملأه .. أخذت أفكر في القصة التي سأختلقها إن سألت عن سبب الكدمات..ـ
لم أرد أن أرى الأستاذة سعاد .. لم أرد أن تظن أنني فتاة شقية ومشاغبة .. كانت الأم بالنسبة إلي ..ـ دخلت ساحة المدرسة .. توجهت إلى الفصل ورأسي منكس .. في محاولة مني لإخفاء الكدمات .. رأتني الأستاذة سعاد .. سألتني عن السبب .. قلت لها أنني سقطت من على الدرج .. عرفت أنني أكذب .. ونظرت إلى بعينان تملأها الرحمة .. لم أستطع المقاومة .. انفجرت بالكية أحكي لها ما حصل ..ـ
إتصلت فوراً بأبي .. طلبت منه الحضور .. حاول الاعتذار متعللاً بالإنشغال .. ولكنها أخبرته أن الموضوع مهم ولا يحتمل تأجيله .. حضر .. إستمع إلى القصة من الأستاذة .. وعينان يملأها الغضب مصوبة إلي .. لم ترها الأستاذة سعاد .. ولم تفهم معناها ..ـ
خرج من عندها .. واعداً إياها أن الوضع سيتغير .. ممسكاً بيدي بقوة .. وفي السيارة .. أكد لي أنني سأغير المدرسة وأن الاستاذة سعاد تتدخل في خصوصيات البيوت .. ـ
عدت إلى المنزل .. وعيون زوجة أبي تزيد شراً .. وعيون أبي بعيدة عني .. وأصبحت الأستاذة سعاد بعيدة عني!ـ

وجه الملاك

شعرت بيد حنونة تمسك بيدي .. وبثقل شديد في عيني .. قاومت .. فتحت عيني ورأيت وجهاً ملائكياً أمامي .. رأيت عينان ملأى بالحنان .. عينان لوزاوتان سوداوان مع مسحة من لون العسل ..ـ
وأطبق الثقل الشديد على عيني .. غفوت بعدها لمدة طويلة .. يعلمها الله .. حصل هذا بعد الحادث المريع الذي تعرضت له .. أحمد الله دوماً على خروجي منه سليماً إلا من كسور بسيطة.ـ
فتحت عيني .. كانت والدتي بجانبي .. تمتم بآيات من القرآن الكريم .. رأيت دموع الفرح تملأعينيها الحنونتان عندما رأتني أفتح عيني ..ـ
ما زالت صورة الملاك محفورة بذاكرتي .. لم أستطع التوقف عن التفكير بها ومن تكون؟!ـ ..ـ
كان السؤال عنها يشغل تفكيري .. وددت السؤال عنها .. ولكن الوصف الذي أحمله قد يتطابق مع عشرات الممرضات في هذا المستشفى الكبير ..ـ
ظل السؤال يثقل كاهلي .. لا أعرف ما سبب تعبقي بتلك الصورة .. أهي الشعور بأن تلك النظرات كانت طوق النجاة بالنسبة لي .. أم أن تلك النظرات الحزينة أحدثت أثراً في النفس لن يتغير إلى الأبد .. ولكن ما شعرت به أنني بحاجة إلى تلك العينان .. كأنها ستحدث تحولاً في حياتي!!ـ
مرت الأيام .. سأمت النوم على سريري .. أردت أن أشعر بأشعة الشمس .. أن أرى حركة الناس آتية وغادية .. رجوت ممرضتي أن أخرج لشراء مجلة من المحل في الطابق الثاني .. سمحت لي على مضض مؤكدة أن علي أخذ الحيطة وعدم إجهاد نفسي .. شعرت أني في رحلة إلى أخر الدنيا وليس إلى الطابق الثاني في نفس المستشفى!ـ
في طريقي إلى الطابق الثاني .. أخذت أتفحص جميع الوجوه .. عل وعسى أجدها .. سأتقدم إليها شاكراً على نظرة الحنان تلك التي كانت تعني لي الكثير!ـ
وفجأة وأنا في طريقي .. رأيتها أمامي .. نعم إنها هي .. أعرف تلك العينان .. أعرف تلك البسمة الحانية .. وقفت واجماً أحدق فيها .. كانت جالسة من رفيقاتها من الممرضات في مقهى المستشفى ..ـ
تقدمت إليها بكل شجاعة واضعاً تلك العينان أمامي .. أستجمعت شجاعتي .. طلبت أن أن أحدثها على إنفراد ..ـ
تحولت تلك الضحكة التي كانت تشارك رفيقاتها إلى نظرة إزدراء .. كأنها تستهجن هذا الطلب .. وقالت لي بصوت يملأه الغرور والجفاء: إذا سمحت .. إذهب وحدث أي من الممرضات الأخريات .. فأنا في فترة إستراحة الأن ولا أريد أن أعمل فيها ..ـ
صعقت .. وبدأت أشك أن العينين هي نفس العينين التي رأيتها سابقاً !ـ
وكأني كنت أحتاج إلى هذه الصدمة لأتيقن أن عقلي المشتت بعد الحادث صور لي عيون غير العيون .. ونظرات غير النظرات .. أكملت طريقي ولا أدري إن كان يجب أن أسخر أم أرثى لحالي!ـ

بين عالمين

يرن جرس الهاتف ..ـ
زوينة: ألو .. أهلاً حنان .. كيفك ؟ عساك بخير
حنان: الحمدلله سهى .. أتصلت أخبرك أن "البيت الغالي" يعرض أنواع جديدة من المنتجات والماركات العالمية
زوينة: حقاً؟ لن بفوتني بالتأكيد .. فأنا بحاجة إلى تغيير كامل في غرفتي .. مللت الأثاث الذي اشتريته من 5 شهور وأحتاج إلى تغيير في الغرفة
حنان: حسناً سهى .. فهذه فرصتك إذاً فالعروض محدودة
زوينة: ان شاء اليوم سأطلب من السائق راجو أن يقلني إلى المحل
أغلقت سماعة الهاتف
سمعت صوتا من بعيد أعادها إلى عالمها الحقيقي
أم زوينة: زوينو .. أخوتك جوعى .. هيا إذهبي إلى البقالة في نهاية الشارع لتشتري كيس خبز
زوينة: ولكن الشمس حارقة .. لا أستطيع الخروج و مشي كل تلك المسافة
أم زوينة: وما عساي أن أفعل .. علي غسيل الثياب والصحون و إعداد الطعام .. ولا أحد غيرك يستطيع إقناع صاحب المحل محمد أن يصبر علينا إلى نهاية الشهر .. فهو يثق بك
زوينة: إن شاء ان شاء الله (و خرجت متذمرة من المنزل)ـ
بعد أن عادت من البقالة .. ذهبت إلى الغرفة التي تشاركها فيها 5 أخوات .. بضيق شديد حاولت أن تركز في كتاب اللغة العربية لعل وعسى أن تفهم كلمتين تفيدها في امتحان الغد
بهدوء .. دخلت أم زوينة على ابنتها .. و أحست زوينة أن هناك أمراً مهما وراء هدوء والدتها
أم زوينة: بنيتي .. الاجازة الصيفية على الأبواب .. وقد شعرت أنك وصلت إلى سن تستطعين معه تحمل معي أعباء المنزل وأخوتك .. فراتبي الضئيل لا يقدرني على إطعام إخوتك كل يوم
زوينة: أمي، إلى ما تلمحين؟ (والخوف من الجوااب ظاهر في عينيها)ـ
أم زوينة: هناك عائلة في شارع الخير تطلب خادمة لفترة مؤقتة .. وستوافق هذه الفترة إجازتك الصيفية التي ستبدأ الأسبوع المقبل .. و أردت أن أقترح عليك أن تقبلي بهذا العمل.. لفترة مؤقتة فقط تعينيني على تحمل أعباء المنزل
زوينة: أمي، بعد هذه المقدمة الطويلة ماذا عساي أقول؟؟ سأقبل وأمري إلى الله
بعد أسبوع...ـ
يدق جرس الباب ومعه يدق قلب زوينة بشدة .. فهاهي أمام أول يوم في عملها ، يفتح الباب بهدوء وتقابلها روز خادمة المنزل التي ستعرفها على العمل .. تسمع خطوات تنزل على السلم
روز: مدام حنان .. هذا شغالة جديد جاي
توقف قلب زوينة وقلب حنان .. وماتت سهى التي بنتها زوينة في عالم أحلامها لتعيش حياة أخرى وعالم أخر أمام رفاقها

الجمعة، فبراير ١٧، ٢٠٠٦

المناورة

حل الليل بسكونه ومازال يعمل بمكتبه .. لا يدري إن كان السبب هو كثر إنشغاله أم أنه يتهرب من المواجهة!!
مع دقات الساعة الثامنة أدرك أن الوقت قد حان ليعود إلى منزله، أنهى ما بيده و استعد للمغادرة .. يعلم أنها هناك تنتظره .. متلهفة .. مستعدة.. تحمل ألف سؤال يدور بمخيلتها .. ستحاسبه وتحقق معه في موضوع مضى وانتهي .. عن حياته في الغربة ! لماذا تحاسبه؟؟؟
لماذا تصر أن تكون جزءاً من ماضي حلّ عليه الغبار!! هل هي الغيرة؟؟ أم أنه فضول بحت يأبى أن يستسلم أمام ما ترك في طي الكتمان!وصل إلى منزله .. دخل بكل هدوء ، عسى أن يراها منهمكة في عمل ما .. ولكن بمناورة بسيطة منها وجدها تقف أمامه بكل استعداد:
هي: الحمد لله على سلامتك يا حبيبي
هو: الله يسلمش إنشاء الله ..
هي: الساعة ثمانية ونص، وين كنت؟؟؟
هو: تراني اتصلت فيش وقلتلش إني بتأخر في العمل!!
هي: هيه .. ترى زادت المشاغل هال أيام .. ويش نسوي .. الله يوفقك إن شاء الله!
حاول أن ينهي التحقيق قبل لأن تصل إلى نقاط لا يريد البت فيها .. ولكن كعادتها سريعة المناورة وتعرف كيفية الوصول إلى ما تريده !
هي: كنت أرتب البيت اليوم .. ولقيت صور أخذتها في بريطانيا .. يبين كنت محبوب من الجنس الناعم ذيك الأيام !
هو: طبعاً .. ولكن ذيك الأيام انتهت وصرت زوجش إنت الحين.
هي: انزين ما خبرتني .. في وحدة موجودة في كل الصور .. من تكون؟؟
هو: بصراحة ما أتذكر .. يالله تراني تعبان .. وين الأولاد ؟
هي: تعشو وناموا .. يلا رد علي .. ليش تتهرب دائماً من هال لسؤال!!
هو: قلتلش ما أتذكر .. خلي عنش هال سوالف وخلا نروح نتعشى
!نعم كذب عليها .. هو يذكر بالتحديد من تكون هذه الفتاة! عادت ذاكرته للماضي المنسي .. إلى قبل عشر سنوات .. أيام كادت مشاغل الأيام
تنسيه إياها .. كانت إنسانةدخلت إلى أعماق قلبه من أول نظرة وأول بسمة وأول كوب قهوة!
يذكر تفاصيل ذك اليوم بكل تحديد .. كان متجهاً إلى المحاضرة كعادته ... و مثل كل يوم يظل يختلس نظرات منها من بعيد .. كانت جميلة كالحلم .. ورقيقة كالحلم !!أتى اليوم الذي غير مجرى حياته (للمرة الأولى) .. جاءت إليه والابتسامة تعلو وجهها المضيء .. وقالت له .. هل تمانع أن تأتي معي لنشرب فنجان قهوة؟؟
ذهب معها ... و أيقن أن الشخصية طابقت الصورة .. كانت مليئة بالحياة و المرح والحب !!أحبها بكل روحه .. كانت كالهواء الذي يتنفسه!! بدء يخطط كيف سيقنعها بالزواج وكيف ستكون أماً لأولاده رغم اختلاف الثقافات!
وذات يوم وهو يستعد للامتحانات النهائية .. تأتي فتاةٌ ذات الجمال أخاذ .. وتطلب منه أن يساعدها في دراستها .. لا يستطيع أي رجل كان
أن يرفض لمثلها طلباً!!وتأتي من أحبها بكل جوارحه .. وتراه مع تلك الفتاة .. ويتهدم ما بناه في سنوات في لحظة واحدة!!
عاد إلى وطنه .. مكسور القلب وحاملاً معه ذكريات لا يريد أن ينساها
هي: خالد .. وينك؟ أشوفك ما تاكل .
.هو: لا حبيبتي .. سرحت في مواضيع العمل شوي .
.نظر إلى مستقبله .. هو أسعد زوج في الدنيا .. زوجه جميلة وحنونة (رغم غيرتها الشديدة) و 4 أبناء يحمد الله دوماً عليهم!
ابتسم وأدرك أن الإنسان أحيانا يلوم الأقدار مع أنها تعمل لصالحه

الغائب الحاضر

تقدمت بخطوات رزينة إلى المنصة ، كان عليها أن تلقي كلمة التخرج ، امتزجت بداخلها المشاعر .. الرهبة، الفرحة، ، القلق والحزن .. نعم الحزن .. تفقدته في أنحاء القاعة .. .. لا تجده، وعدها بالحضور .. لم يخلف وعده أبداً وهو دائماً دقيق في مواعيده .. إذاً ما سبب غيابه؟؟لم تستطع الإجابة على ذلك السؤال ، ,امامها حشد من مختلف المستويات ينتظرها أن تبدأ بالكلام ووصلت إلى المنصة .. بدأت تقرأ كلمتها و أحلت عليها السكينة، قرأت بكل ثقة وثبات و بدون شعور بالرهبة .. لم تشعر إلا وهي تسمع تصفيق الحضور من حولها
عليها أن تجيب على السؤال الأن .. أين هو؟ .. حاول الإتصال بالمكتب، بالهاتف النقال .. لا يجيب .. بدأ القلق يتملكها .. أخذات تتفقده من بين الحضور .. لمحت أخاها يتقدم إليها من بعيد .. خطاه مترددة .. خائفة .. صرخت حتى قبل أن تلقي عليه السلام: أين هو؟؟
رد بعين دامعة: توفى زوجك في حادث سيارة وهو في طريقة إلى الحفل.حتى في إخر لحظة في حياته لم يخلف بوعده

قدرها

جلست على الكرسي .. وأمامها السلاح الذي سيقضي على حياتها .. أمامها زجاجة سلمها إياها سليم العطار .. أقوى أنواع السموم كما يقول .. يقضي على الفئران في ثواني .. ولمنها لا تريدها لفئران المنزل .. بل لها .. لتنهي سلسلة من الآلام والجروح.جلست .. بدأ شريط ذكرياتها يمر بمخيلتها .. تذكرت أباها المريض .. وتخيلت كيف سيكون وقع الخبر عليه .. ستصيبه نوبة قلبية بكل تأكيد .. أبعدت الإحساس بالذنب من فكرها وأصرت على قرارها
تخيلت أخواتها .. المعتمدين عليها اعتمادا كلياً .. كيف سيعيشون حياتهم من بعدها .. "ولكنهم سيتعودون .. فمصيرهم الاعتماد على نفسهن يوما ما على أية حال" عاد عقلها للتفكير!أحست بنبضات قلبها تدق بسرعة .. هل تقوى على فعل ما تريديه؟ عل حقاً هذا ما تريديه؟ هل إنهاء حياتها سيجعل منها ومن من حولها سعداء؟؟
تأملت الزجاجة .. هذا الخليط الرمادي اللون سيكون أهم خليط شربته في حياتها!!أمسكت بالزجاجة .. ويدها ترجف بقوة .. لم تعرف أن يمكن ليدها أن تتحرك دون أمر منها بهذه الصورة .. قبضت عليها بقوة .. محاولة أن تتأكد أن الزجاجة في أمان .. قربتها من شفتاها .. وكانت شفتاها ترجف هي الأخر .. وفي لحظة احتساء الشراب .. مرت ذبابة عنيدة .. أفقدت يدها توازنها وأسقطت الزجاجة على الأرض
.نظرت إلى السائل المنسكب .. ابتسمت بسخرية .. غير متأكدة إن كان ما حصل لصالحها أم لا؟